التحليل النفسي لطفل يعاني من التعثر الدراسي
الحالة:
حضرت إلي العيادة سيدة جميلة أنيقة في منتصف العمر
-الخامسة والثلاثون تقريبا- علي درجة عالية من التعليم فهي حاصلة علي الدكتوراه في
التربية، ولكن كان يبدو عليها القلق والمعاناه وربما بعض ملامح الإكتئاب، فبادرت
بقولها "ساعدني يادكتور إبني هيضيع مني" كانت تقصد طفلها (م) البالغ من
العمر سبع سنوات فهو غير متجاوب في دراسته يهرب من المدرسة، عنيد، غير مطيع، يميل
الي مشاكسة وإيذاء الغير، لا يستمع إلي توجيه، ولقد حاولت هي ووالده معه الكثير إلا أن تلك المحاولات جاءت
دون جدوي، حتي لجأ والده إلي ضربه بشدة ولكن دون أن يجدي هذا العقاب البدني شيئا.
وقد طلبنا من الأم أن تروي لنا تاريخ نمو طفلها منذ
الحمل به حتي الآن مع ذكر أهم الأحداث والظروف التي مر بها خلال هذه الفترة من
العمر فإتضح لنا من روايتها أنه الطفل الثاني في الترتيب بين أخواته، وقد سعدت
الأسرة لقدومه فكانوا متشوقين لولادة إبن ذكر لأن الطفل الأول كان أنثي، وكانت صحة
الأم النفسية والجسمية أثناء الحمل جيدة وكانت الولادة سهلة وغير متعثرة كما كانت
طفولة الصبي طبيعية من حيث النمو والمشي والكلام.. إلخ حتي أنه في بعض الأحيان كان
يبدو عليه ذكاء أكبر من سنه، إلا أن حالته الصحية كانت من الرقة بحيث تحتاج إلي
ملاحظة دائمة وعناية خاصة.
فكان الطفل يلقي العناية اللازمة أثناء السنوات الأولي
التي قضاها في البيت مع أخته التي تكبره بعام واحد، ولما بلغ الرابعة من العمر
إلتحق بالفرقة الأولي في رياض الأطفال وأظهر تقدم ملموس حتي إلتحق بالفرقة
الثانية، فلما رأي والديه ماللطفل من ذكاء وقدرات بين أقرانه أراد إكتساب هذه
السنة الدراسية في الروضة وإلحاقه بالمدرسة الإبتدائية ليقفز إليها من هذه السنة
الثانية في رياض الاطفال.
وقد دخل الولد فعلا بالفرقة الأولي الإبتدائية وشهد
مدرسيه تفوقا وحضورا متميزا منه حتي نهاية الشهر الأول من العام الدراسي وبعدها
مرض الطفل مرضا ألزمه الفراش لعدة شهور وهو يتدهور شهرا تلو شهر من ضعفا إلي ضعف
وضاع منه العام الدراسي الذي ظن الأبوان أنهما قد إكتسباه وحرم الطفل من أن يكون
ذاك المتفوق بين أقرانه، فكان في المرات القليلة التي يحاول فيها أبواه أن يذهبا
به إلي المدرسة فكان شديد الملل وكثير التمارض وإلتماس شتي الحيل هربا من المدرسة
التي سأمتها نفسه بعد أن ذاق بها مرارة التخلف.
إدارة الحالة:
من هذا السرد
السابق للتطور لدي الطفل نجد أن هناك بعضا من الأخطاء التربوية التي وقع فيها
الوالدان في حق طفلهما:
أول هذه
الأخطاء: هي إعجاب الوالدين بذكاء طفلهما في تلك السن كان إعجابا ساذجا، فلم يتركاه ينعم
بالهناء الذي كان يلقاه بالروضة، ولم يتركا شعوره بالتفوق علي إقرانه ينمي في نفسه
حوافز الرغبة في الدرس والثقة في النفس والإستمتاع بما يخلق النجاح من لذه في
العمل والجد، لذلك حرماه من ذلك كله بنقله إلي السنة الأولي الإبتدائية وتوفير
السنة الثانية من الروضة.
وثاني هذه
الأخطاء: لم يدرك الوالدان أن طفلهما من حقه أولا وقبل أي شئ أن
يتمتع بطفولته، وأن ينطلق في رحابها مرحا لاعبا، وأنه فوق هذا عليل من حق صحته
عليه أن تلقي المزيد من الملاحظة والراحة والعناية ولكن الوالدين أغفلا هذه
الحقيقة فزاد ضغط المدرسة عليه ولم تتحمل صحته هذه الضغوط مما أدي إلي إصابته بالمرض،
فتأخرت حالته الصحية وكثر تغيبه حتي عد من المتخلفين في فرقته، وبذلك حرم من متعة
التفوق بين أقرانه، ذلك الشعور الذي كان سينعم به طيلة حياته لو تركه والداه يسير
في الطريق الطبيعي دون ظغط أو أرهاق.
التحليل النفسي للحالة:
الأخطاء
التروبية التي تعرض لها (م) وإضطرابه السلوكي وتأخره الدراسي وعدم قدرته علي
التكيف في مجتمعه المدرسي والمنزل يعتبر مثلا واضحا للصراعات النفسية الداخلية
التي كان يعاني فيها نتيجة الضغوط الملقاه عليه كي يستمر متفوقا في الدراسة، وعدم
قدرته علي تحمل هذه الضغوط نتيجة لسوء صحته وبذلك ساءت صحته أكثر من الناحيتين
النفسية والجسمية، وبدأ شعوره بالنقص يزيد والذي ظهر في إنعدام ثقته بنفسه وإضطراب
لسلوكه وعناده وعدم طاعته وهروبه من المدرسة بالتمارض المستمر.
في الواقع إن
هذه الأعراض ما هي إلا إستجابة تلقائية للتعويض عن الشعور بالنقص والتدهور اللذين
كان يشعر بهما الطفل، والضغط النفسي الداخلي لعدم قدرته الصحية والنفسية علي
مسايرة ركب المدراسة وتوافقه مع البيئة المنزلية والمدرسية، إضافة إلي عدم تفهم
والديه لحاجاته النفسية في هذه المرحلة العمرية، ومبالغتهما في الضغط عليه
والإساءة إليه بسبب ما يرتكبه من أخطاء وإنجراف في السلوك وعدم التعاون من
الآخرين.
العلاج:
تم وضع خطة
علاجية لـ (م) إستمرت ثلاثة أشهر جاءت خلال شهور الصيف، وكان يشمل جلسات العلاج
النفسي للطفل والعلاج الأسري للوالدين، ليشمل البرنامج توجيه الوالدين وإرشادهم
إلي كيفية معاملة الطفل في الظروف المختلفة وتنشئته تنشئة نفسية سليمة كي يستطيع
أن يستكمل طريق الحياة الدراسية الشاق بشخصية متزنة قادرة علي مواجهة الحياة بكل
صعوبتها.
ومن أهم القوائم
التي قام عليها البرنامج الإرشادي للوالدين تلك الركائن التالية:
العلاقات الأسرية السليمة: وذلك بتجنب الخلافات بين أفرادها ودعم المحبة والمشاركة والتعاون بين
افرادها.
القدوة الحسنة: علي الوالدين أن يكونا قدوة حسنة أمام الإبناء في السلوك والمعاملة
والإحترام وضبط النفس وتجنب العنف والإلفاظ البذيئة الجارحة.
غرس قيم دينية وروحية في نفس الطفل: وذلك من دوره أن يبعده عن التعصب والتزمر.
تجنب تفضيل طفل علي آخر: كي لا تظهر الغيرة بين الاشقاء
التعرف علي أسس التربية النفسية السليمة: لضمان مثول الشفاء والوقاية من الإضطراب النفسي.
وفي النهاية تم الشفاء للطفل من الناحية
الجسمية والنفسية وبدأ بداية طيبة في العام الدراسي التالي وأخذ يسير في دراسته
بخطي متزنة واثقة وأدراك الوالدان أخطاءهما في تنشئة الطفل وبدأ كل منهما في تلافي
هذه الأخطاء وفقا لما تقدم من إرشادات تضمنها برنامج العلاج الأسري.


0 comments:
إرسال تعليق