الهروب من المدرسة
الحالة:
حضر الوالدان إلي العيادة يشكوان هروب إبنهما المتكرر من
المدرسة، الأمر الذي لم يعلم به الوالد إلا حين استدعاه مدير المدرسة للتعرف علي
سبب تكرار غياب إبنه الطالب بالصف الثالث الإعدادي، إندهش الوالد عندما علم بذلك، فإبنه
(و) يخرج من المنزل كل يوم في الصباح ومعه أدواته وكتبه ولا يعود إلا بعد موعد
الخروج من المدرسة، ولم يسبق أن لاحظ علي الولد تغير هندامه أو إهماله في أدواته.
تحليل الحالة:
(و) هو الإبن
الثاني من ثلاثة أبناء، والداه يعملان معا في مجال التدريس، وكان الوالد حريص
دائما علي أن يوصي مدير المدرسة والمدرسين أن يهتموا بإبنه في المتابعة والإشراف
والعقاب عندما يتطلب الأمر ذلك في حال وجود أي تقصير يلاحظونه دون الرجوع إليه
(الأب) فكان يستخدم دائما عبارة شهيرة يوصي بها مدرس (و) وهي "إنت كسر عظمه
وأنا أجبسه".
هذا الإسلوب العنيف المتبع في معاملة (و) داخل المدرسة
أظهر الإهتمام الخاطئ بالولد، فكان المدرس عندما يخطئ (و) أو يتعثر في الإجابة علي
أي سؤال يلجأ إلي عقابه ضربا بالعصا ظنا منه أن هذا الإسلوب سوف يفيده في عدم
تكرار هذا الخطأ ثانية، وقد تكرر هذا الإسلوب في معاملة (و) مرات عديدة حتي أصبح
في حالة دائمة من الخوف والتوتر والقلق ولاسيما في حصص هذا المدرس بعينه -وكان
مدرس الرياضيات- الأمر الذي كان يؤدي إلي عدم إجابة (و) في المواد الأخري بسبب الخوف
الشديد إما من الضرب والعقاب الشديد، وإما من الإستهزاء به والسخرية منه أمام
زملاؤه.
لهذا الشعور المستمر بالخوف والقلق والتوتر والخذي
أحيانا بدأ (و) في الهروب من المدرسة في الأيام التي تكون بها أكثر من حصة لمدرس
مادة الرياضيات تحديدا، فلا يذهب إلي المدرسة بعد خروجه من المنزل ويظل يجوب في
الشوارع حتي نهاية اليوم الدراسي ثم يعود إلي المنزل في موعد عودته الطبيعي،
وعندما علم الإب بعد إستدعاء المدير له بغياب (و) المتكرر لجأ إلي حل يعكس مدي
التوجه التربوي السليم في شخصيته كمدرس، فقام بتكتيف (و) بالحبال وإنهال عليه
بصحبة والدته ضربا مبرحا إعتقادا منهما أن هذا هو الإسلوب السليم لتجنب تكرار
الهروب دون الإستجابة لإستغاثة الإبن الذي كان لصراخه دويا شديدا ولكن دون جدوي
فكلما يزداد صراخ الإبن كلما إزدادت حماسة الوالدين في إستمرار العقاب أثناء
التكتيف وهو ملقي علي الارض.
أصيب الولد بعد فترة بحالة من الإنهيار النفسي ولم يستطع
إستكمال الدراسة، ورفض الذهاب للمدرسة وأصبح يبكي ليلا ونهارا دون أن يستطيع
التماسك حتي عجز عن النوم تماما وأخذ في السهر طوال الليل في حالة من عدم التركيز
وأهمل دراسته ومذاكرته إضافة إلي أنه تبول أكثر من مرة ليلا بشكل لا إرادي وهو في
هذه السن.
بدأ الوالدان في إدراك طبيعة الجرم الذي قاما به في حق
الإبن نفسيا من هذا الإسلوب الهمجي المتبع في التعامل معه، الأمر الذي جعل من هذا
الصغير ضحية جهل الوالدين والمدرسين بأصول التربية للأنباء في ظل هذه الفترة الحرجة
من السن وهي بداية فترة المراهقة، وأخيرا إقتنع الوالدين بعد تدهور حالة الولد
باللجوء لطلب المشورة النفسية فكانت مقابلتهم معنا.
إدارة الحالة (العلاج):
قمنا بعمل عدة جلسات نفسية للإبن (و) إستمرت عدة أسابيع
إنحصرت الجلسات في إستخدام العلاج النفسي السلوكي ذلك للإبن، مع عقد عدة جلسات
أكثر عددا وتركيزا مع الوالدان لإرشادهم عن كيفية معاملة الإبن في ظل فترة
المراهقة حتي تستطيع إستعمال طريقة أفضل لتجاوز هذه الفترة الحرجة (المراهقة)
بشخصية متزنة ومستقرة نفسيا.
وهكذا أخذت الحالة النفسية لـ (و) في التحسن تدريجيا وعاد
إليه إتزانه النفسي وبدأ ينتظم في دراسته وإستعاد ثقته في نفسه بعد أن تم التنبيه
علي مدرسينه في المدرسة عن طريق والده بعدم التعرض له بأي شكل من أشكال العقاب بل
الإهتمام بمدحه وتشجيعه كي يستعيد ثقته بنفسه وتزول عنه أعراض القلق والتوتر
الدائمين، وبذلك أمكن مساعدة هذا الإبن علي مواصلة الدراسة والتخلص من أعراض
الإضطراب النفسي وقد علمنا فيما بعد من أبواه في نهاية العام الدراسي أنه قد نجح
وبتقدير مرضي إلي حد كبير تناسبا مع الأزمة التي مر بها.
إلي كل والدين هرب إبنهما من المدرسة (إنصتوا لي)
هذه الحالة السابقة إنما هي توضح عدم وعي الوالدين
(التربويين) ولاسيما الأم بطبيعة مرحلة المراهقة من خصائصها الخاصة وإسلوب التعامل
معها، كذلك أخطأ الوالدين في حق هذا الإبن ولم يراعيا أية جوانب نفسية في حياته،
ولم يحاولا مناقشته في أسباب هروبه من المدرسة وبدأ كل منهم في التفتيش عن أصدقاء
السوء ظنا منهم أن هذا هو السبب الأوحد، فلم تتح له الفرصة أن يعبر عن أسباب هروبه
من المدرسة او عن التعبير عما يدور بداخله من صراعات نفسية وعذاب لضميره الناتج عن
عدم ذهابه للمدرسة وعدم قدرته علي تحمل ما يعانيه داخل المدرسة، وعدم تفهم والديه
لشكواه من المدرسين تعصبا لميولهما التربوية الخاطئة في ظل هذه الفترة الحرجة من
العمر.
وبشكل عام هناك بعض الأمور التي ينبغي علي الوالدين
مراعاتها مع أبنائهما في بداية مرحلة المراهقة ولاسيما الأم تحديدا نوجزها في
الآتي:
- ينبغي للوالدين تفهم التغيرات البيولوجية والنفسية
والإجتماعية لإبنهما أو لبنتهما حتي يتسني لهما التعامل معهما بمنطق سليم.
- نظرا لوجود العديد من الفروق
بين المراهقين مثلما الوالدين أن يعكفا علي إستيضاح وتفهم منظور إبنهما او إبنتهما
إلي الدراسة والمدرسة وأن يسمعا لشكواهما ويناقشاهما في هذه المشكلات.
- إن وعي الوالدين بطبيعة
المراهقة الصحية لأولادهما يجعل الوالدين يمارسان السلطة علي الأبنا دون قيود أو
ضغوط كما يجعل الأبناء أكثر تقبلا لهذه الأشكال الصحية من السلطة.
- يجب علي الوالدين إدراك طبيعة
القدرات الخاصة التي يميل المراهق لإبرازها في شخصيته وتشجيع المحمود منها
ومناقشته في المذموم فيها بالحجة والرأي وليس بالعقاب والتأنيب.
- يجب علي الوالدان أن يحافظا
علي إتزانهما الإنعالي في معالجة مشاكل الأبناء فلن يفيد التهور والهياج والثورة
لأي سبب بل علنهما معالجة أي موقف بهدوء ومحاولة مناقشة الأبناء في هذه التصرفات
الغير مرغوبة.
واخيرا.. فالآباء والأمهات الأسوياء فعلا هم من يستطيعون
تقديم المشورة الصالحة لأبنائهما بالهدوء والإيضاح وعدم فرض الرأي بشدة أو العقاب
من الجولة الأولي للمناقشة.


0 comments:
إرسال تعليق