الحب.. ماله وماعليه
ندوة ألقيت في مقر صناع الحياة- المعادي
في يوليو 2006م
- حقيقة الحب:
الحب والبغض من
الأحوال النفسية الوجدانية التي يشق على المرء تحديد معناها، فهي من المحسوسات
التي يشعر بهما الإنسان ولا يستطيع التعبير الصحيح عن هذا الشعور ولا شك الألفاظ تضيق
على المعاني فقد حاول القدماء تعريف الحب، فقال بعضهم هو إرتياح في الخلقة، وفرح
يجول في الروح وسرور ينساب في أجزاء النفس، وقد سئل أعرابي ما الحب؟ قال حركة
النفس الفارغة، وسئل آخر ما الحب؟ قال هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، فهو
كامن كمون النار في الجحر، إن قدمته أورى، وأن تركته توارى.
وعند العرب الحب اسم مشترك يجمع بين ضروب النفس والتي
تبدأ بالقبول ثم الحب ثم الوله والصيام وهو أرفع درجات الحب، وفي أحوال أخرى يقصد
بالحب التضحية الإيثار والفناء في سبيل شئ ما.
وأذكر وصية العباس بن الأحنف الذي قال:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه.. وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم.
فإنك إن لم
تغفر الذنب في الهوى.. تفارق من تهوى وأنفك مرغم.
- الحاجة إلي الحب:
قال أحدهم لصاحبه.. إني سأحب! قال الآخر.. ومن هي
محبوبتك؟ أجاب: لم أجدها بعد! ولكني أشعر بهذا الحب المقبل.
يدل هذا الحوار على شيئين الأول هو طلب المحبوب، أو
الرغبة في الحب، والثاني فراغ النفس من الحب والشعور بنقص في الحياة النفسية لابد
من اشباعه، وهناك من يشعر بالحاجة إلي الكراهية، ولا تستريح نفسه إلا إذا حققها
وهؤلاء هم المرضى.
وقيل عن الرغبة في الحب:
من عاش حياته بغير حبيب.. فحياته ما هي إلا حياة غريب.
فما تنظر العينان أحسن منظر.. من طالب إلفا ومن مطلوب.
وماكان في حور الجنان لآدم.. لو لم تكن حواء من مرغوب.
قد كان في الفردوس يشكو وحده.. فيها ولم يأنس بغير حبيب.
إن الحاجة إلي الحب تعتمد على محكات كثيرة، بخلاف ما يقع
عليه تفكير الكثير من العوام اليوم، من أن الحب والحاجة إليه إلي حاجة الأنثى
للذكر والعكس، إنما الحاجة إلي الحب في نظر هؤلاء ما هي إلا هرمونات، تفرزها الغدد
الجنسية، فهذا ما يرجع بالحب إلي الغريزة وذلك خطأ. وأما الصواب أن نرجع الحب إلي
حالة الفقر النفسي الذي يعيشه الإنسان، ففي أحوال المحبين وما يصرحون به من عبارات
لا تعمم حسائر الناس، ولا يشعر غيرهم بهذه الآثار الشديدة لذلك العبارات.
وكثيرا ما تبدو الحاجة للحب في الأحلام، وفي أحلام اليقظة
في الصور والخيالات التي كثيرا ما تكون صريحة صراحة تامة، فالحاجة إلي الحب تأخذ
طريقان الأول أن تبرز حاجتي في أن أحب الآخر وأقدم عليه، أما الطريق الثاني فهي أن
يحبني الآخر ويقدم هو علي.
- إختيار المحبوب:
أنا كرجل نفساني إحترت في تفسير أسباب إختيار المحبوب، وكنت
دوما ما أهرب من الإجابة على هذا السؤال.. كيف أختار محبوبي "محبوبتي"؟
وإنك ستعذرني لو أمعنت النظر في هذا فوجدت أسبابا تخالف المعقول، فإختيار المحبوب
يبدو غامضا غموض جميع المسائل الفردية، لأنه مستمد من الشخصية في عمومها وليس من
اليسير تمييز الأ سباب العميقة لذلك.
وقد زعم الأقدمين أن الخالق تعالى خلق الأرواح كلها هيئة
واحدة، ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا، فكل جسد لقى القوم والضعف على حسب
رقة الطبائع، وزعم بعضهم أن إتفاق الأرواح يرجع إلي إتفاق في البروج الفلكية على
مذهب الذين يعتقدون في التنجيم.
وفي رأيي، أن الالهام العاطفي في الحب يحدث في لحظات
اللاشعور، وهذا شبيه بما يقوله المتصوفه في الحب الالهي "إذا وجدت قلبي فقدت
ربي وإذا فقدت قلبي وجدت ربي" ويقول شاعرهم (المتصوفه):
وجودي أن أغيب عن الوجود.. بما يبدو علي من الشعور.
وفي هذه اللحظة التي يطفو فيها اللاشعور على سطح
الشخصية، يضئ فيها القلب فيشرق بنور الحب، فلا يدرك صاحبه أنه أصبح محب، أو محبوب،
إنما ينظر ينظر إلي محبوبه نظرة اعجاب وتقدير، وهذا ما يسمى التبلور cristallisation ، والتبلور
عملية عقلية من شأنها أن تكشف عن موضوع الحب وصفاته.. صفات الكمال.. ترفع من شأن
الفرد في الشمول بالحب.
وإذا ما تم إختيار المحبوب.. ترتبت على ذلك نتائج من
شأنها أن تغير المحبوب في نظر الحبيب، والعكس، وأن تغير نظرة كلاهما للعالم
والمستقبل.
ذلك أننا نعرف الناس المحيطين بنا، والمستقبل أمامنا من
خلال فراغ وهوى شخصي، والمحبوب هنا يصبح جزءا من الحياة.. يل يصبح هو الحياة.
.. وهكذا نرى أن الحب يبعث على الفخر والثقة، فقد قيل:
لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان.. ويصفي الأذهان، ويثبت حزم العاجز.. لكفاه
شرفا.
ذلك أن المحب قبل إختياره محبوبه يعيش في العالم العملي،
إنه يعيش ولا يحيا فكل الأشياء المحيطة به، والناس الذين يتصل بهم أجزاء من هذا
العالم، وهو يزيد الأشياء بمقدار ما تحدث فيه من ألم أو لذه، ومنفعة أو مضرة، فإذا
أحب أصبح العالم أكثر جمالا وحركة وحياة.
- نهاية الحب:
الأصل في الحرية هو الحب، ومنبت الحب الحرية، فإذا أحس
أحد المحبين بالارغام والخضوع لسلطان آخر غير سلطان النفس فقد آذن للحب بالزوال،
وليس من الضروري أن تتحول الصلة بين الحبيبين إلي هذه النهاية، فقد تتطور النشوة
الأولى إلي سعادة دائمة، فيكون زوجان يعيشان معا إلي أن تهدأ ثورة العاطفة
الجامحة، وتصبح الصلة الجنسية رتيبة مملة. فما هو حالهم آنذاك؟
وقد يتعطل الحب عند أحدهما، وعندئذ لا يكون المحبوب
موضوعا يشغل الذهن، بل يصبح فردا كغيره من الأفراد، أما معايبه التي كان يضرب عنها
صفحا من قبل، فإنها تصبح أمرا لا يطاق.
وفي بعض الأحيان ينقلب الحب إلي درجة الإشمئزاز من
المحبوب، وهذه درجة أقل في شدتها من الكراهية التي تظهر في شكل العدوان فيما بعد
بين الزوجين اللذين ضاع بينهما الحب.
"الحب لا يكون حبا.. عندما يجد مجالا للتغيير
السلبي" شكسبير.
"من لا يحب لا يعرف الله.. فالله محبة " أحمد
هارون.
"تكون الأخطاء غليظة.. حيث يكون الحب رقيقا"
وليام بلايك.
"لا خوف في الحب.. لأن الحب الكامل يطرد
الخوف" أحمد هارون.
"ما يبدو نظريا شديد الثقل.. يجعله الحب خفيفا
جدا" كريستوفر هارفي.
"ما نستطيع عمله من أجل الآخر هو إختبار للقوة..
وما نستطيع أن نتحمل من أجله هو أختيار للحب" أحمد هارون.
"أحيانا يتغير كل مافينا.. كما يتغير كل ما حولنا..
ولكن في النهاية أشواقنا كثيرا ما تعاودنا باحثة عن الحب" أحمد هارون.
"بقدر ما نحب.. بقدر ما نحب" أحمد هارون.
"القلب المؤمن هو الذي يشتهي الحب للحب.. ويبتهج
للحب دون مقابل" أحمد هارون.
"أقدار تجمع بين المحبين لساعات.. أقدار تفرق بينهم
بآهات.. فما هي إلا أقدار تجد العمر في النهاية عدة لحظات".
"إمنح العالم من حولك أفضل ما لديك.. حب الآخر
فالأفضل دائما يعود إليك" أحمد هارون.
"إن الخطأ الذي غالبا ما نرتكبه هو سعينا الدائم لأن
نكون محبوبين.. بدلا من سعينا أن نحب سوانا.. وما يجعلنا جبناء هو خوفنا من فقدان ذلك
الحب" أحمد هارون.
"الحب هو الواقي الصحيح للروح البشرية ضد
الأنانية.. فالحب عطاء بلا حدود تسامح بلا ملامه.. تعاون بلا شروط" أحمد
هارون.
إن يقيني أنه ليس ثمة أي وجود ممكن لا يسير فيه أؤلئك
الذين يتقدمون غالبا في خشية وحذر، وفي الظلام نحو الضوء، مهما يكن يمكن أن ينير
لهم حياتهم. ولكي نتخلص من الوحدة ومن ظلمات النفق، وننير هذا الطريق الذي يسير
بنا إلي الأمام، ولكي نعطي مبررا لوجودنا عند المخلوقات الحقيرة التي تزحف أحيانا
في الظلام، لا أتردد في الإعتقاد بأن الضوء الوحيد الذي تندفع نحوه بالغريزة، هو
ضوء الحب ليس إلا.
والحب هو المبرر الحقيقي للوجود، إن يعني أن المرء لم
يبقى وحيدا، وإن يعني مشاطرة هذه الثروة الداخلية التي لا تنمو إلا في حالة وجود هدف، وهذا الهدف في نهاية الممر
الضيق الذي يتداعى لدى بلوغنا إياه، فلولا الحب كنا أمواتا ونحن أحياء.
والنساء يعرفن ذلك تمام المعرفة، ففيهن الحب كله، وأنا أعرف
القليلات منهن من جفت قلوبهن، وأكتفين بالحب الذاتي الأناني، فالرجال لهم مبررات
وجود أخرى، أو على الأقل لهم اعتقادات أخرى في ذلك، ولكن النساء لا يعشن حقا إلا
بفضل هذه الهبة التي يمنحها لهن القدر.
إن المنارة التي تهدي السفن تجتذب فراشات الليل بالآلاف،
وترتطم بها العصافيرالآتية من عرض البحر، ربما إنها فضلت الموت على البقاء في
الظلمة والحب أيضا منارة، إنه جوع.. ظمأ.. حاجة.. دليل على أننا أحياء -ذلك إذا
استطعنا الإحساس به- والخروج من العزلة بفضله.
لعل منكن سيداتي من تقول لنفسها أنني أتحدث اليوم ببساطة،
وبهدوء وبرزانة مع نفسي، وأنا في الحقيقة لا أتيكن بجديد عندما أحدثكن عن ضرورة النور،
وأحذركن في الوقت نفسه من مخاطره، وكل ما أود قوله لكن إنه لمن الحكمة تعريض
حياتنا للخطر والموت بدلا من انفاقها كئيبة بلا معنى.. وهذا هو الوجود بلا حب.
إن الحب هو الذي يجعل العالم يدور.. فقلب المؤمن يشتهي
الحب من أجل الحب، والقلب المؤمن يبتهج في الحب دون أي مقابل.. فهناك انسانية
واحدة وحسب فكل الأجزاء متشابكة لتؤلف كلا واحدا كبيرا، فمساعدتك لأي كائن بشرى
تعني مساعدة جزء صغير في نفسك، وجرّك الأذى إلي أخر ما هي إلا إيذاء لنفسك.
الحب هو ذروة انفعالات الإنسان، حب الآباء للأبناء، حب
الأبناء للآباء، وحب الرجل والمرأة الذي ينتهي بالزواج هو نعمة الحضارة السامية.
والحب الحق هو شئ له خصائص الندرة، فالحب الصحيح لطيف لا
يتبدل لدى مواجهته التبدل.. والحب الصادق هو حب الأخذ والعطاء، لا يموت بين أطرافه،
ولا يمكن القضاء عليه.
ومكافات الحب عظيمة عظمة الجهود المبذولة لكسبه فإذا بني
الحب على أساس متين من الاحترام والاعجاب والتقدير، وراح ينمو شيئا فشيئا بفضل
أعمال صغيرة من اللطف التي تشد أواصره، مع الأخذ بعين الإعتبار مصلحة الفريقين
المتحابين- عندئذ سيعيش الحب إلي الأبد مخلصا، ودائما.
وليس في الحب الحقيقي مجال لعدم الاحترام، أو النقد، او
الاهمال، ولعل من الحكمة أن يسأل الواحد منا نفسه.. أأنا لطيف؟ أأنا مراع لحقوق
الآخر؟ أأنا مقدر لمشاعر الآخرين؟ أأنا أناني؟ أأنا أحترم من أحب؟ أأنأ أحب
أصلا؟
فالحب كسواه من الأشياء النادرة، عرضة للتحطيم، ولكن
الحب شيئا غير ملموس، فإننا لا نعترف دائما بالصفات المميزة التي تنظمه و تضبطه،
ولأنه يمنح بالمجان فإننا غالبا ما نستهين بقيمته، إن الحب لهو أثمن من كل شئ إنه
تحقيق للقانون، القانون البشرى الأصيل، فالأصل في التعامل هو الحب والأصل في التآخي
والصداقة، والزواج هو الحب، فهو يستحق معرفتنا به وإجتهادنا في الحفاظ عليه.


0 comments:
إرسال تعليق