السرقة لدي الأطفال
الحالة:
حضر الأب إلي العيادة يشكو من سلوك إبنه البالغ من العمر
تسع سنوات هذا الطفل كان في السابعة يسرق النقود أو المفاتيج ليخفيها في مكان ما
ثم بعد فترة يظهرها هو بمعرفته مدعيا أنه وجدها بعد بحث طويل منه، وأخيرا تكررت سرقته
للنقود وإخفائها وبعد فترة من البحث يظهرها، ثم لجأ إلي سرقة النقود وشراء لعب ليس
في حاجة لها فيكسرها لأنه يمتلك مثلها في الأصل، وقد تألم الأب كثيرا لهذا السلوك
الذي تفشي في تصرفات الطفل الذي كان ينكر فعله ومع الضغظ والتهديد يعترف، ومن حسن
الحظ أن الأب لم يلجأ إلي العقاب الشديد مع الطفل وفكر في اللجوء إلي العلاج
النفسي.
تحليل الحالة:
وبدراسة الحالة تبين أن الطفل هو الأول في الأسرة وله
أخت تصغره بخمس سنوات، فعاش طفولته الأولي بين والدين لا يعلمان الكثير عن أصول
التنشئة السوية كل منهما يذهب إلي عمله في الصباح تاركينه مع مربية غريبة عنه، ثم
يعودان مرهقان ويسقطان متاعبهما وتوترهما علي الطفل عندما يصدر أصغر الأخطاء بعد
أن قضي يوما ملئ بالحرمان العاطفي. وكانت الأم تعود من عملها منهكة القوي وقد
أستنفذت كل طاقاتها في العمل، بعد ذلك تفرغ شحنتها الإنفعالية في الطفل المحروم من
أمه طوال اليوم بعد أن تسمع شكوي مربية الأطفال من أن طفلها غير متعاون.
كان هذا الصغير الذي يعاني القسوة والعقاب وسوءالمعاملة
من الأم حيث كانت لا تستوعب التنشئة النفسية للطفل، فكانت أثناء تدريسها له في
مرحلة الحضانة تقوم بضربه بقسوة ولاسيما حين يكتب خطئا -وذلك أمر وارد- الأمر الذي
يؤدي في النهاية إلي الصراخ والبكاء والعصبية الشديدة ورفضه إستكمال الواجب
المدرسي، فتزداد عصبية الأم وتتمادي في عقاب الصغير.
وتستمر هذه الدائرة المغلقة لا يوقفها إلا مجئ الأب من
عمله مساءا وتدخله إما في صف الأم وإضافة مزيد من العقاب علي الصغير، وأحيانا أخري
في صف الطفل إذا كان -الأب-مرهقا من العمل فيحاول تخفيف مدة التوتر ليستطيع الراحة
والخلود للنوم.
وفي المدرسة كان الطفل يعاني سوء المعاملة من المدرسات،
ذلك لفظاظة كلامه معهن الناتج عن عدم الاحساس بالأمان والإستقرار في المنزل، ولسوء
معاملة أمه له وقسوتها عليه، فأصبح يكره الأم، المدرسات، المدرسة، وحتي عمل الواجب
المدرسي كل ذلك لإرتباطه بقسوة الأم في المنزل بداية.
وهكذا عاش الطفل في صراعات نفسية مستمرة مابين قسوة الأم
وإهمال الأب وتدليل المربية لتجنب عصبيته، عنف مدرسين ومدرسات المدرسة -والذي كان
رد فعل طبيعي لسوء خلق الطفل- الأمر الذي أدي إلي زيادة الضغط النفسي لديه
والصراعات الداخلية عليه فبدأ يعاني من نوبات فزع ليلي وخوف عنذ الإستيقاظ مع رعشة
شديدة بالأطراف، فكان الأب بدلا من أن يحاول تهدئته كان يعنفه بشدة كي ينام ولا يسبب
له إزعاجا في الوقت القصير الذي يؤديه في المنزل، هذا الفزع الليلي ما هو إلا
دلالة المعاناة الداخلية وتكرار السرقة كنوع من التعبير عن المعاناة النفسية
والحرمان من الحنان، يضاف إلي ذلك أن الأم كانت تعامل أخته الأصغر معاملة تختلف
تماما عن معاملتها له، فكانت تتجنب عقابها وتلبي كافة طلباتها، وهكذا شعرالطفل
بالغيرة والحقد علي أخته دون أن يظهر ذلك.
ومما تقدم نجد أن هذا الطفل قد عاني كثيرا من المتاعب
النفسية نتيجة جهل الوالدين بأصول التنشئة النفسية للطفل، وبالغا في سوء معاملته
وعدم الإكتراث بمشاعره، فلم يحاولا مساعدته علي التقدم في دراسته رغم إرتفاع مستوي
ذكائه، ولم تحاول المدرسة تهفم معاناة الطفل في بيته ومحاولة التدخل تجاه الأم
مثلا، بالطبع هذا المناخ الأسري والمدرسي غير الصالحين نفسيا أديا إلي خلق إحساس
الطفل بالخوف وعدم الثقة وانعدام الأمن والاستقرار والتعثر الدراسي، وغيرها من
الصراعات الداخلية لديه والضغوط النفسية عليه.
إدارة الحالة (العلاج):
قمنا بوضع خطة علاجية للطفل-بعيدة عن العلاج السلوكي
وأقرب للعلاج السيكوديناميكي والذي يركز علي التفريغ الإنفعالي للطفل وتهيئته من
الداخل لتقبل تعديل السلوك فيما بعد-هذه الخطة العلاجية إنحصرت في مجموعة من
الجلسات النفسية وقد تجنبنا إخضاع الصغير لأي علاج دوائي فهذا غير محبز أو مجدي في
علاج المشكلات السلوكية للأطفال، والأهم من ذلك هو وضع خطة للعلاج الأسري تركز علي
الأم والأب لإبراز تلك الجوانب الهدامة في شخصيتهما والتي تفجرت في الطفل لتخلق
منه كائن مشوه نفسيا، وقد أدرك الوالدان طبيعة خطأهما في تنشئة الإبن وكانا بعد
هذه الجلسات معهما أكثر تفهما لطبية الحالة وأكثر تعاونا لطالح الطفل.
فبدأ الوالدان في تجنب أسلوب العقاب والعنف والقسوة،
ولجأ كل منهما إلي التفاهم الهادئ والمقنع، وبدأ الوالد يتقرب إلي إبنه بعيدا عن
التصريح المؤلم بالأخطاء وبدأت الأم في توحيد المعاملة بين الطفل وأخته وتقلل من
عصبيتها القائمة علي الولد. كما طلبنا من الأم زيارة المدرسة لتوضيح طبية المشكلة
للمدرسات حتي يستطعن تفهم الموقف ولا يكن عائقا أمام خطة العلاج بل طلبت منهن
مشاركتنا في الخطة العلاجية للطفل من حيث تشجيع الطفل داخل الفصل ومتابعة دروسه
بهدوء وحثه علي الإجتهاد بتقديم بعد المدعمات والمعززات للسلوك المرغوب بما أدي
إلي نجاحه في نهاية العام (بتفوق) الأمر الذي تزامن مع تركه السرقة تماما فلقد
نجحت الخطة العلاجية في تحويل المسار الداخلي للطفل من مسار الهدم والعدوان إلي
مسار البناء والإصلاح.


0 comments:
إرسال تعليق