ليه تروح لمُعالِج نفساني تتكلم معاه..
لما ممكن تستقبل القبلة وتتكلم مع ربنا؟!
لما ممكن تستقبل القبلة وتتكلم مع ربنا؟!
أعلم أنه عنوان صادم لمقالة نفسية، كما أنه سؤال قد يُحدث شئ من الإلتباس
عند بعض الناس، إلا أنه سؤال متكرر خاصة إلينا نحن كمعالجين نفسيين عبر صفحات
الويب في الرسائل الاستشارية والاسترشادية.
وكأن الطب النفسي وأمراضه ليس فرعاً رئيسياً من فروع الطب، كطب الباطنة، والرمد، وغيرها.. وكأن الاضطرابات النفسية وعلاجها ليست بعلمٍ يُدرَس ويُدرَّس!
وكأن الطب النفسي وأمراضه ليس فرعاً رئيسياً من فروع الطب، كطب الباطنة، والرمد، وغيرها.. وكأن الاضطرابات النفسية وعلاجها ليست بعلمٍ يُدرَس ويُدرَّس!
والعجيب ليس ذلك السؤال، بل الأعجب هو السائل نفسه! فكيف لشخص مقتنع بهذا
الطرح فيتوجه به كسؤال لمعالج نفساني؟! ألا ترى في ذلك شئ من الريبة في هذه
القناعة؟ ألا ترى بها كثير من المقاومة العنيدة غير المستنيرة القائمة على الترديد
لشعارات دينية وقواعد روحانية لا يعلم مُرددها مخذاها ولا دلالاتها؟ فأنا أحسبك
بسؤالك هذا راغباً في اللجوء لمعالج نفساني، وما كان سؤالك إلا ثمة تردد فيك
ومقاومة منك.
ودون التطرق لتحليل أعمق لشخصية السائل من سؤاله هذا، دعنى أجيب على ذلك
السؤال بتساؤل أبسط منه وفقاً لقواعد التفكير البدائي جداً.. طبيعي أننا كلنا مع
مختلف دياناتنا السماوية قد تحدثنا إلي ربنا -أو إن صح التعبير نناجي الله ولا
نتكلم معه- ولكن من منا قد كلمه الله؟ من منا قد رد عليه الله حديثه بحديث آخر؟
بالطبع الإجابة واضحة ليس منا من كلمه الله سوى رسوله وكليمه موسى عليه السلام،
ومع ذلك عندما أراد الله أن يُعلم كليمه موسى وهو من أولي العزم من الرسل لم يعلمه
وهو يكلمه وإنما أرسله إلي عبد آخر من عباده ليتعلم منه موسى وهو الخضر عليه
السلام.
وإن كانت معظم التفاسير قد أشارت إلي كون الخضر نبياً أو رجلاً صالحاً آتاه
الله العلم، فليس ذلك هو القصد وإنما القصد في توجيه الله لموسى وهو كليمه إلي
التعلم من إنسان آخر قد فتح الله عليه من العلم وكأن الله يُقر لنا تشريعاً إلهياً
باللجوء إلي من آتاه الله العلم والحكمة للاستشارة والاستزادة، وذلك هو ما يختلف
تماماً في اللجوء إلي الله للمناجاه والاستئناس به تعالى.
ويتجلي ذلك في قوله تعالي: "قَالَ لَهُ
مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا" (الكهف، 66) وهو سؤال بتلطف من موسى
عليه السلام إلى إنسان مثله صاحب علم وحكمة ألقاها الله عنده، ففي قوله "أَتَّبِعُكَ" أي أصحبك وأرافقك، وفي قوله "تُعَلِّمَنِ" أي أستزيد منك وأسترشد بك، وفي قوله "مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا" أي مما علمك الله –ولو على يد إنسان
آخر- من علم نافع وعمل صالح (تفسير ابن كثير، الكهف، 66).
ولعل ذلك التشريع الإلهي لنا نحن معشر البشر كان للتخفيف عنا أولاً ثم
للإرتقاء بنا ثانياً ثم لحسن عبادة ربنا حينها علي النحو الذى يرضيه منا ثالثاً
ولن يكون ذلك إلا في حال السلامة النفسية أو القرب منها أخذاً بالأسباب ولجوءاً
إلي المتخصصين في النفوس عملاً بقوله جل شأنه "فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (النحل، 43) ولأن النفس أكثر تعقيداً
من أي شيئ آخر فلنتأمل قوله تعالى "فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" (الفرقان، 59).
فمن خلال هاتين الآيتين الكريمتين يتضح أن أهل الذكر –المأمورين باللجوء
إليهم- الخبراء في كل علم من العلوم، فأنت إن أردت النجاح في الحياة فعليك بسؤالهم
واللجوء إليهم أخذاً بالأسباب التي يسرها لك الله عز وجل، وعملاً بقوله الكريم
"وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ" (آل عمرانَ، 159).
وهكذا نجد أن استشارة ذوي الخبرة من الناجحين في تخصصهم كان بمثابة أمر
إلهي لتفعيل الأخذ بالأسباب، فالناجحين في حياتهم يستخيرون الله فعلاً، ولكنهم لا
يغفلون عن استشارة أولي الخبرة والإستعانة على كل صنعة بصانعها وكل حرفة بمحترفها،
وليس أدق من حرفة التعامل مع النفوس البشرية في تعقيداتها وتشابكها.
هذا ومن أراد أن يعرف الله حقاً فليسعى لمعرفة نفسه أولاً، وكيف لك أن تعرف
نفسك دون اللجوء بالاستشارة لأهل النفوس والاستنارة من نصحهم والعمل بإرشاداتهم،
فأهل العلم ليسوا في العلوم الشرعية وحسب بل في العلوم الدنيوية أيضاً، ولقد دعا
الأمام الغزالي –رحمه الله- إلي تقسيم العلماء إلي قسمين: علماء في الدنيا وعلماء
في الآخرة، أما علماء الدنيا فيعرفون دقائق الأمور، وعلماء الآخرة فيعرفون الله عز
وجل ويعّرفون الناس به.
وأذكركم ونفسي بما قاله ابن عطاء السكندري في معنى قوله تعالي "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً"
(النحل، 15).. قال علماً بالله عزوجل وعلماً بالنفس، وقال الإمام علي كرم
الله وجهه "من عرف نفسه عرف ربه" أي إذا عرفت نفسك زادت معرفتك بربك
والعكس صحيح".
وأخيراً.. قيل في الآثر أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا يصطحبان، فإذا
بلغا باب قرية أو مدينة قال عيسى: "دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاها"
وقال يحيى: "دلوني على أبّر رجل في المدينة وأتقاها".. فيقول يحيى
لعيسى: "يابن خالة إما لك لا تنزل على الأبرار والأتقياء"؛ فيقول عيسى: "إنما
أنا طبيب، أداوي المرضى وأعالج أهل البلوى".
هذا والله من وراء قصد، وهو أعلي وأعلم..


0 comments:
إرسال تعليق