للوسواس القهري تاريخ قديم!
يُعد الاهتمام باضطراب الوسواس القهري
اهتماماً قديماً، وذلك قبل أن تُحدد ملامحه بدقة، ويدرج ضمن الاضطرابات النفسية،
وقد تجلى ذلك الاهتمام من خلال إشارة بعض الكتابات المبكرة إلى أنماط من الأفعال
والمعارف التي تعرف اليوم كأعراض مُميِّزة لاضطراب الوسواس القهري، فقد ذكرت بعض
الكتابات العربية والغربية ما يُحكى عن الفراعنة من حكاية الكاهن حقا نخت الذي كان
يكتب رسائل لابنه يَعُد ويحصر فيها كل شيئ حتى حبات القمح والشعير التي كانت
تنتجها حقوله (وائل أبو هندي، 2003، 102)، كما ورد في نص بوذي قديم منذ أكثر من
2500 سنة وصف لراهب في عصر بوذا –مؤسس الديانة البوذية- كان يقوم بكنس الدير بشكل
متكرر، ويستغرق في ذلك العمل معظم وقته (أحمد هارون، 2009).
أما اهتمام التراث الإسلامي بمظاهر
اضطراب الوسواس القهري، فقد ورد في السنة المطهرة أحاديث رسول الله (ص) حول وصف
وساوس الشك في الوضوء والطهارة (انظر: ابن قيم الجوزية، 1961، 162)، وأيضاً وصف
لبعض المظاهر التي تُعرف اليوم لدى مرضى الوسواس القهري بالاجترارات الوسواسية
للأسئلة الدينية التي لا إجابة لها (انظر: السيد سابق، 2000، 7؛ محي الدين النووي،
2005، 165). كما أشار الفقهاء المسلمون إلى كثير من مظاهر وساوس الطهارة (انظر:
محي الدين النووي، 2005، 166) والنية في الصلاة، والتنطع فى مخارج الحروف، والانشغال
بتحقيق التشديد وإخراج اللسان.. وغيرها (ابن قيم الجوزية، 1961، 151-153).
ولم يقتصر التراث الإسلامى على تقديم
وصف لتلك المظاهر المرضية، وإنما زخر بكثير من التوجيهات الهادفة إلى محاربة
الوسواس والتنفير منه وعدم الاستسلام له، ونفي مزاعم من يعتقد في التقرب إلى الله
بتلك الأفعال المبالغ فيها (انظر: ابن قيم الجوزية، 1961، 151،201،162،159 ؛ محي
الدين النووي، 1970، 71؛ محمد عودة، 1989؛ السيد سابق، 2000، 38،32،7).
أما البداية الحقيقية للاهتمام
باضطراب الوسواس القهري بوصفه اضطراباً نفسياً فترجع إلى "اسكويرال "Esquiral (1772- 1840)
الذي قام لأول مرة بشرح زملة أعراض الوسواس القهري -والذي اعتبر لأعوام عديدة أحد
أعقد الأمراض النفسية (رجز فوا، 2002)- حين تعرف
على حالة الشك الوسواسي وأطلق عليها مصطلح Monomania Raisonnante، وكان يعني به
الجنون العقلي تجاه أمر واحد، ومن بعده أطلق "فارلت "Farlet (1974- 1870)
على نفس الحالة مصطلح مرض الشك La
Maladie du Doute. لكن ربما كان أول من استخدم وسواس Obsession هو الطبيب العقلي الفرنسي "موريل "B. A
Morel (1809- 1873)، وكان ذلك في عام 1861، وفي عام 1878 عرف
"وستفال C. F. Westphal" الوسواس
بأنه "أفكار تظهر على عكس إرادة المريض، ولا يمكن إبعادها، ولهذه الأفكار
تأثيرات غير سوية"، ومازل هذا التعريف سائداً حتى اليوم، كذلك يُعد "كرابلين Kraeplin" من أوائل
المهتمين بدراسة الأعراض المرضية الوسواسية العالم والذي قرر أن الحذلقة والاهتمام
بالتوافه هما السمتان المميزتان لمرضى الوسواس.
وقد توصل الإكلينيكى الفرنسى "جانيه "Janet من الملاحظات
الإكلينيكية للحالات العصابية إلى مصطلح السيكاثينيا Psychasthenie وتضمن هذا
المفهوم الفوبيا، لكنه استبعد الهستيريا ووضعها في فئة مستقلة، وقد اشتهر عام 1900
مصطلح "ضعف النفس" Psychic
Weakness، وهو التحليل اللفظى لمصطلح السيكاثينيا، وقد عرف
"جانيه" السيكاثينيا عام 1909 بأنها "صورة من الهبوط أو الاكتئاب العقلي توصف بقلة
التأثر بالحقيقة والواقع، وبإبدال عمليات أدنى ومبالغ فيها تحت صورة الشك والتهيج
والحسرة، وبأفكار مضايقة عن المتاعب السابقة والحالية، وهذه الحالة تمنع الشخص من
أن يجد نشاطاً كافياً للإرادة والفعل، وهي تنشأ عن الشعور بالنقص وعدم الكفاية،
وتشمل حالات المخاوف المرضية وجنون الشك والوساوس".
والحقيقة أن الربط بين الأعراض
الثلاثة لمفهوم السيكاثينيا في زملة مرضية واحدة كثير الحدوث بين المرضى، فقد قرر
"مايرجروس وآخرون Mayer-Gross" أنه فى
أغلب الأحيان تظهر الأعراض الوسواسية على أنها خداعة كنتيجة لحلقة مفرغة، وبعد كل
مرة من تكرار الفكر القهري الوسواسي تنشأ أعراض القلق، ويزيد ارتباط القلق المباشر
مع الفكر الوسواسي، والذى يضاف إلى القلق العادي الناتج عن الفشل في تقليل الضغط،
وبهذا يدخل في شبكة من السلوك اللا معقول.
وبينما تجمع التصنيفات القديمة
للأمراض النفسية المخاوف مع القهر والوسواس في فئة واحدة، مثل التصنيفات التي
وضعها كرابلين، وجانيه، وفرويد، وكاتل، فإن التصنيفات الحديثة تفصل بينهما، وقد وضع فرويد أول وصف
متكامل للعصاب الوسواسي في كتابه: "مقدمة عامة للتحليل النفسي" عام
1917، حين حدد صورته كما يلي: "ينشغل عقل المريض بالأفكار التي لا تسره
حقيقة، وهو يشعر باندفاعات تبدو غريبة بالنسبة إليه، وأنه مدفوع ليؤدي أعمالاً لا
تلذه، وليست لديه القدرة على الانقطاع عنها، وقد لا تكون للأفكار والوساوس معنى في
ذاتها، أو لا تنال اهتمام المريض، لكنها مع ذلك أفكار غبية تماماً، وهي مسيطرة على
عقل المريض دائماً، فهي نقطة البدء في تركيز فكري مجهد ينهك المريض، ويستسلم له مع
عدم رضاه عنه، Freud,1935وفى كتابه "محاضرات تمهيدية جديدة في التحليل النفسي" يُعرف فرويد الوسواس بأنه خاطر يغلب على المرء فيحمله على ركوب ما لا يحب (فرويد، 1932، 41)،
والقهر هنا نتيجة للوساوس (أحمد هارون، 2011).
من كتاب الوسواس القهري، من البداية للنهاية..
للدكتور أحمد هارون، مستشار العلاج النفسي وعلاج الإدمان
https://www.facebook.com/3elagnafsy
https://www.facebook.com/3eyadanafsya
https://www.facebook.com/3elagnafsy
https://www.facebook.com/3eyadanafsya


0 comments:
إرسال تعليق