دكتور أحمد هارون: "القرد في عين امه غزال" حقيقة علمية نفسية
كثيرة هي الأمثال الشعبية بيننا والأكثر منها دلالاتها النفسية فينا فالمثل الشعبي ما هو إلا جملة تكونت من أكثر من كلمة وتضمنت أكثر من معنى لتحمل تلك الكلمات خبرات من الآلام والآمال بين البشر ولهم.
هذا ما بدأ به الدكتور احمد هارون، مستشار العلاج النفسي وعلاج الإدمان، حديثه عندما تطرق لعرض التعلق المرضي بين الأم وأبنائها السيئين، مضيفاً أنه من الملاحظ داخل العيادات النفسية -وخارجها في الحياة العامة أيضاً- أن تجد الأم أكثر ميلاً وتعلقاً بالأكثر فشلاً في ابنائها! وكأنها هي المسئولة عن كونه أقل ممن حوله حتى لو كانوا أخوته وكأنها هي السبب في عدم حصوله على مؤهل دراسي أفضل أو عمل أحسن أو علاقات مع الناس أقيم، ليس ذلك وحسب بل هي المتكفلة بكل هذه التبعات من الفشل المتلاحقة في حياة ذلك الفرد الشقى..!
وتابع "هارون" وليس ذلك هو الغريب في الأمر وحسب؛ بل إننا كمعالجين نفسيين رصدنا ظاهرة قد تهدد البيوت المصرية وهي بعض الحيل النفسية الدفاعية التي قد تمارسها الأمهات للدفاع عن الفاشل من أبنائها كأن تبرر له فشله أو سوء معاملته أو تدني أسلوبه أو إنحطاط فكره، وربما امتدحت أخطائه أيضاً.. كل ذلك في حين رفضها لأي من تلك السلوكيات أو أقل منها من باقي إخوته وكأن هو المسموح له بالخطأ والمبرر له بالفشل. فهو الغزال في عين أمه والباقي قردة.
وأتذكر من ضمن الحالات التي لاقيتها علاجياً أحد الأمهات التي حضرت إلي العيادة ومعها إبنها لتعرض شكواها منه أنه سليط اللسان وعصبي المزاج وغير متحمل المسئولية وليس متعاون بالمرة مع إخوته، فضلاً عن كونه أناني وعدواني وتعثره دراسياً.
كان لتلك الأم ثلاثة أبناء ذلك الشخص أكبرهم، وعندما سألتها عن ولديها الأخرين قالت بالنص "كويسين الحمد لله" ولم تتطرق لأنهما يتحملا فشل ذلك الأكبر ويدفعا ضريبة أنانيته وعدائيته تجاههم، وكأن ذلك أمراً مفروض عليهما بجانب حفاظهما علي أخلاق أفضل ونتائج دراسية أحسن؛ بدون الالتفات إلي مدى قدرتهم على تحمل ذلك الشقي الأكبر وتقبل تبرير الأم الدائم لأفعاله، بل وتغاضيها له عليها بشكل ملحوظ.
الشاهد من الأمر أنني حينما قابلت ذلك الأبن الأكبر والتي حضرت الأم به إلي العيادة وهي تسرد كل الأعراض المرضية السلبية السابقة في إطار من التبرير والشفقة عليه، عندما سألته بعد حديث طويل لاستجلاب ثقته فيّ كمُعالج نفساني وتقبله لموقف العلاج نفسه.
سألته عن سبب تعثره الدراسي وعدائيته مع إخوته وسلوكه الفج مع والدته وغالبية من حوله.. وغيرها، أجابني بما لا يدع مجالاً للشك أن القرد سيظل غزالاً في عين الأم مما يدفع الغزال للحلم بأن يصبح قرداً ذات يوم.
أجابني بنص حديثه "ليه أبقي كويس لما كل حاجة بحصل عليها وأنا وحش، ليه أتعب لما كل حاجة ممكن تتعملي، ليه ماما تنده عليا وأرد عليها؟ ما أنا لما اطنشها أخويا هيرد......"
وبعدها ادركت قيمة الدلالة النفسية لهذا المثل الشعبي الدارج الذي بمعناه أوقن تماماً بأن تلك الأم ستصنع من ولديها الأصغر نموذجان آخران للقرد الأكبر، فتلك هي ضريبة المساواه بين من احسن ومن أساء.
تحياتي
د. أحمد هارون
مستشار العلاج النفسي وعلاج الإدمان
عضو الجمعية العالمية للصحية النفسية


0 comments:
إرسال تعليق