الكذب عند الأطفال
(أسرة مُفككة = طفل كذوب)
--------------------------
جاءت الأم إلي العيادة
يصاحبها طفلها ذو الـ 8 سنوات لتعالجه من داء الكذب -علي حد ما ذكرت هي-
والذي تكرر وبصورة شديدة ليؤدي في بعض الأحيان إلي مشاكل أسرية وتأخر دراسي مستمر،
حيث كان المدرسين دائمين الشكوي من تعثر الطفل دراسيا. وبفحص الحالة تبين أن الطفل
هو ثالث إخواته، كسول دراسيا، ولديه ميل شديد للعب والنعاس عندما يبدأ في عمل
الواجب المدرسي بمساعدة والدته، إضافة إلي التمارض المستمر هربا من المدرسة
ومتطلباتها.
والد الطفل تاجر حر يعود
للمنزل في نهاية اليوم (مساءا) وغالبا ما يكون الأطفال نائمين حين عودته، أما الأم
فهي عصبية جدا جدا، ومعذورة.. فقد أرهقها العمل المنزلي طوال اليوم ورعاية أربعة
أطفال ثالثهم يمثل كارثة أدبية بسبب الكذب المستمر أما باقي أخوته فهم ليسوا أفضل
حالا، فهم كذلك مصابون إما بالتوتر الشديد أو التعثر الدراسي أو التبول اللاإرادي
مع إضطرابات النوم لدي الأطفال الأربعة.
كان الطفل (س) عندما يسئل
عن الواجب المدرسي يقول.. كانت المدرسة غائبة اليوم، قمنا بعمل الواجب في الفصل،
لا يوجد واحب مدرسي اليوم.. إلخ.
كما كان يخفي كراساته
الحاصل فيها علي درحات سيئة ويعود من المدرسة متأخرا بعد موعد الخروج بفترة وبقدم
أعذار لذلك يتضح بعد ذلك عدم صحتها.
أما الأم في ظل كل هذا
فكانت تعاني التوتر الشديد والذي كان يدفعها إلي ضرب الولد ضربا مبرحا لأقل
الأسباب، خصوصا اثناء مراجعتهما دروسه المدرسية الأمر الذي أدي إلي خوف الأبناء
الأربعة منها فكانوا يلجئون إلي الكذب هروبا من العقاب الشديد الذي تلجأ إليه
دائما.
التحليل: هذا الطفل يعيش في أسرة
ينقصها الترابط الأسري والجو الدافئ الذي يشعر فيه بالحب والحنان والرعاية من
الوالدين.. فكان يلجأ إلي الكذب كوسيلة دفاعية عن الذات لوقاية النفس من أذي
السلطة الجائرة الممثلة في قسوة الأم وعصبيتها وإلتجائها إلي الضرب العنيف دون تقدير
لمشاعر وأحاسيس هذا الطفل الذي يعاني داخليا من صراعات نفسية لا تشعر بها ولا
تحسها.. فكان يعاني من قسوتها من ناحية ومن قسوة المدرسات من ناحية أخري فتكون
النتيجة ليخلص نفسه من هذه الصراعات التي يعيش فيها هي لجوئه إلي الكذب.
إدارة الحالة والعلاج:
وضحنا للأم أخطائها في
تنشئة إبنها وطلبنا مقابلة الوالد، وضحنا له حاجة الأبناء لوجوده بينهم ليشعروا
بالأمان والإستقرار كي تستقر إنفعالاتهم الداخلية من ناحية، وليخفف عنف وقسوة الأم
عليهم بتعاونه معها في المشاركة في عنايتهم من ناحية أخري. كما وضحنا له أن وجوده
بين أطفاله سيحسن من حالتهم النفسية ويؤدي إلي شفاء أبنائه الآخرين مما يعانون
منه.
وقد استجاب الوالدين لهذه
التوجيهات وبدأ الوالد في تخصيص وقت أطول لبيته وأبنائه..
في نفس الوقت قمنا بعمل
جلسات العلاج النفسي للإبن الذي يعاني نفسيا من صراعات داخلية لحرمانه من إشباع
حاجاته النفسية التي من أهمها الحاجة إلي الحب والحماية والتقدير والتشجيع..
وغيرها، وبعد فترة وجيزة من جلسات العلاج النفسي السلوكي للطفل -مع توجيه وإرشاد
الوالدين- أمكن للطفل أن يتوقف عن الكذب وإستقرت إنفعالاته وهدأت الأم نفسيا بعد
عمل بعد الجلسات المتفردة معها لتقليل حدة توترها.
أسباب الكذب عند الأطفال:
يكون لدي بعض الأطفال إستعداد
فطري للكذب في حالة أن يكون الطفل يمتلك لخيال خصب أو لديه قدرة كلامية ولباقة
عالية، ومن أهم أساب الكذب لدي الأطفال:
1- عدم توافر القدوة في الأسرة: حيث يلاحظ الطفل لجوء بعض
أفراد الأسرة -الوالدين مثلا- إلي الكذب في مواقف معينة، بل وأحيانا يطالب
الوالدين الطفل بممارسة الكذب.
2- قيام الطفل بسلوكيات يسيئ الوالدان احتوائهما: مثل قيامه
بإتلاف شئ ما أو الخوف والحساسية الشديدة.
3- البيئة غير السوية غير المترابطة التي يتخللها الخداع
والغش وعدم الصدق.
أنواع الكذب: تتعدد أنواع الكذب لدي
الأطفال بتعدد مصادره وأسبابه ومن أهم هذه الأنواع الآتي:
1- الكذب الخيالي:
يكون في أحيان كثيرة تعبيرا عن أحلام اليقظة والقصص الخيالية وهي تعبير عن الآمال والرغبات التي لا يتمكن الأطفال من الإفصاح عنها
باسلوب واقعي، وهنا من واجب الآباء تهيئة الفرص للأطفال حتي يعبروا عن أنفسهم بهذا
الأسلوب الخيالي، كأن يساعدوهم علي التفريق بين الواقع والخيال.
2- الكذب الإدعائي:
هذا النوع من الكذب يلجأ إليه بعض الأطفال الذين يعانون من الشعور بالنقص
لتغطية هذا الشعور بالمبالغة فيما يملكون أو في صفاتهم أو صفات والديهم بهدف
الشعور بالمركز في وسط أقرانهم، ومثال ذلك إدعاء الطفل أن والده يشغل مركز عسكري
أو مهنة معينة (رجل أعمال) أو ما هو منافي لطبيعة عمل والده الفعلية.
3- الكذب المغرض:
هنا الطفل يكذب بهدف تحقيق عرض معين في نفسه، ومن أبرز الأمثلة عن هذا
النوع من الكذب أن يطلب الطفل من والده بعض النقود مدعيا أن مدرس الفصل طلبها لغرض
ما يجتمع عليه طلبة الفصل الواحد، ويكون هذا غير صحيح أو هناك فارق في النقود
لصالح الطفل.
4- الكذب الدفاعي:
هو أكثر أنواع الكذب شيوعا، ويلجأ إليه الأطفال جميعا خوفا مما قد يقع
عليهم من عقوبة، ويزداد هذا الكذب كلما كانت معاملة الطفل علي اخطائه قاسية شيئا
ما بهدف قول الصدق.
5-كذب التقليد:
كثيرا ما يكذب الطفل تقليدا لوالديه ولمن حوله يلاحظ في حالات كثيرة أن
الوالدين نفسيهما يكذب الواحد منهما علي الآخر.
6- الكذب الإنتقامي:
وهنا يكذب الطفل بغرض إلقاء اللوم علي شخص يكرهه أو يعارضه، ويحدث ذلك عادة
بسبب التفرقة في المعاملة بين الأخوة، فالطفل الذي يشعر بأن له أخا مفضلا عليه
يلجأ إلي الكذب فيتهمه بإتهامات يترتب عليها عقابه أو سوء معاملته.
7- الكذب العنادي:
أحيانا يكذب الطفل لمجرد السرور الناشئ من تحدي السلطة خصوصا إذا كانت
شديدة الرقابة قليلة التعاطف.
8- الكذب المزمن أو المرضي:
هو حالة مرضية قد يجد الطفل فيها نفسه مدفوعا حيالها للكذب لا شعوريا،
فيكذب في أغلب المواقف ويعرف عنه أنه كاذب دائما، ويكون الطفل عادة غير ناجح في
حياته المدرسية، ويعاني شعورا شديدا بالنقص، ومع العجز في النجاح يلجأ إلي الكذب
ليحقق رغبته الشديدة في النجاح أو في تحقيق أهدافه كطفل.
دور الوالدين في علاج الكذب عند الأطفال:
1. البحث عن دوافع الكذب: يجب الإدراك بأن الكذب قد يكون مصحوبا بسلوكيات أخري،
كالسرقة أو العصبية الزائدة، أو نوبات الغضب المتكرر.. لذلك فإن علاج هذه الحالة
يستوجب البحث عن الدوافع والحاجات النفسية غير المشبعة والتي أدت إلي ظهور هذا
العرض.
2. الإقلاع نهائيا عن علاج الكذب بالعقاب والتشهير بالطفل
والتهديد والسخرية ذلك لأن العقاب والتهديد لن يردي الطفل عن الكذب بل سيؤديا إلي
ظهور أعراض سلوكية أخري، وكذلك التشهير والسخرية لها أثر سيئ للغاية علي شخصية
الطفل نفسيا وسلوكيا.
3. توفير بيئة متسامحة: يجب أن يبدأ العلاج بالبيئة التي
يعيش فيها الطفل، فعلي الوالدين أن يساعدا الطفل علي الحصول علي إشابع حاجاته
النفسية الأساسية كالحب، والحنان، والشعور بالثقة في النفس والتقدير والإحترام.
كذلك علي الوالدين أن يكونا قدوة صالحة للأبناء وأن يتيحا لهم الإحساس بالأمان في
بيئة متسامحة.
دور الوالدين في تعليم الطفل الصدق:
1- توفير جو من المحبة والشعور بالأمان بين الأطفال وتوحيد
المعاملة بينهم.
2- تجنب علاج الطفل غير الصادق بالعقاب اأو التشهير به أو
السخرية منه بل تشجيعه علي ترك هذه العادة وتناسي مواقفه معها.
3- إحترام شخصية الطفل وتدريبه علي الإخذ والعطاء –مع تحكم
الأهل في عصبيتهم وتوترهم.
دكتور أحمد هارون
مستشار العلاج النفسي


1 comments:
شكرا علي الموضوع المفيد جدا
واتمنى لو تم اضافة معلومات اخرى عن الصحة النفسية للاطفال
إرسال تعليق