اضطراب
الشخصية السيكوباتية (الضد مجتمعية)
Psychopathic Personality disorder
في
كثير من الأحيان تبتلى الأسر والمجتمعات بأفراد لا يلتزمون بالأعراف والقيم
السائدة سواء خلقياً ودينياً وإجتماعياً، ويخرجون على التقاليد الانسانية المقبولة
وكأنها لا تعنيهم، فلا تجتذب اهتمامهم ولا يراعون مصالح الآخرين أو حقوقهم، وإنما
هم مبالون بالاستعانة بها لتحقيق مصالحهم مع إيجاد مبررات تافهة أو سخيفة لذلك،
فنجدهم كاذبين في حديثهم مخالفين في تعاملتهم لا تحكم تصرفاتهم أي معايير أخلاقية
أو ضمير إنساني حر.
وقد أطلق
البعض على هذه التصرفات "الشذوذ الخلقي"، كما سماه آخرون "عصاب
أخلاقي" ووصفه آخرون "بالمرض النفسي
الاجتماعي" وتعددت
الأسماء والصفات بتعدد أعراض المرض الموصوف وآثاره.. إنه
الشخصية السيكوباتية.
ويُعرّف
اضطراب الشخصية السيكوباتية Psychopathic Personality disorder على أنه اضطراب شخصية مرضية يتألف من مجموعة من السمات الشخصية
الشاذة، والمظاهرة الاجتماعية المضطربة، ونعرض فيما يلي لكل منها بشيء من
الايجاز..
سمات
الشخصية السيكوباتية:
يوجد
خمس سمات أساسية للشخصية السيكوباتية، لا تمثل مجموع سمات هذه الشخصية المضطربة،
وإنما تمثل الخطوط العريضة لسمات مرضية عديدة، وهي:
1.
أناني، ولا يُعرف سبب أنانيته.
2.
عاجز عن تكوين علاقات دائمة من المودة مع غيره من الناس.
3.
سريع الاندفاع والاستثارة.
4.
قليل -أو عديم- الشعور بالذنب أو الإثم.
5.
يسبب في الغالب معاناه لمن حوله في الأسرة أو العمل.
ولعل
هذا التوسع في مفهوم السيكوباتية هو ما أدى إلى غموض المصطلح لدرجة أنه قد تمت
الإشارة إلى فئة السيكوباتية على أنها سلة مهملات التشخيص عند مواجهة حالات تبدي
فيها أعراض كلها ضد مجتمعية، ولكن بعد تطور الدراسات في ميدان السيكوباتية أمكن
تحديد هذا المفهوم وتخصصية لفئة مميزة عن فئات الانحرافات السلوكية الأخرى.
في
وصف السيكوباتيين..
يتصف السيكوباتي عموماً بالاندفاعية،
وسرعة الاستثارة، ومعاداة النظم الاجتماعية، وكثرة المشاغبة والتقلب المزاجي،
وضعف القدرة على التركيز وعدم المثابرة، والخضوع لمبدأ اللذة السريعة، والإشباع المباشر
للرغبات، والعجز عن الاستفادة من الخبرات السابقة، وعن التوافق مع المجتمع
لرعونته، وسلوكه الفج ورغبته في الغش والكذب وارتكاب الجرائم دون شعور بالخجل أو
الندم، وقد يدمن السيكوباتي شرب الخمر، وتعاطي المخدرات أو الانحرافات الجنسية،
ويعجز عن تحمل المسئولية إلا في إثارة الشغب، وتهبط همته بسرعة ويفشل في العمل
لعدم استقراره النفسي فيفقده ويعيش في بطالة ولا تجدي في علاجه أساليب اللين ولا الشدة.
والمصابون
بالسيكوباتية لم يفتقدوا الصلة بالواقع، وإنما أصيبوا بمظاهر انحراف أو شذوذ في
حياتهم العاطفية فلم يعد الواحد منهم يدرك الدلالة الانفعالية لكل ما يمر به من
خبرات.
وقد
يبدو سلوك السيكوباتي –أحياناً– سلوكاً عادياً سوياً في الظاهر، ولكنه في الواقع
ينطوى على عجز تام من إدراك العنصر الانفعالي للمواقف المختلفة التي يمر بها،
وتبعاً لذلك فإن السيكوباتي لا يستفيد مما يتعرض له من أحداث فهو لا يكتسب منها أي
خبرة يمكن أن تسمح له بتعديل نشاطه أو توجيهه على النحو الذي يضمن له تحقيق أهدافه
الذاتية.
مظاهر
الشخصية السيكوباتية:
تتوفر
في الشخصية المضادة للمجتمع عدة مظاهر إكلينيكية (عيادية) تندرج جميعها تحت أربعة
مظاهر أساسية، وهي:
1.
إستمرار مدة معاناة من حوله منه.
2.
عدم وجود مرض عقلي أو تخلف عقلي.
3.
إتسام سلوكه بالعنف والتعدي وعدم تحمل المسئولية.
4.
إضطرار من حوله لاتخاذ إجراءات معينة ضده لمواجهته.
ولعله
من الصعب حصر نمط الشخصية السيكوباتية في صورة سلوكية واحدة أو تصور واحد معين،
فهي تتلون وتتغير تبعاً للموقف، ولذلك فقد تعارف الناس على أنماط هذه الشخصية
الثلاثة على أنهم عدواني وعدائي ومتكيف، وسنعرض لهذه الأنماط بالتفصيل.
أنماط
الشخصية السيكوباتية:
السمة
السائدة لهذه الشخصية -كما أسلفنا- هي عدم النضج الانفعالي والعاطفي، وعدم التعلم
من تجارب الحياة وخبراتها، وعند الأخذ بأنماطها المتعددة نجد أنها تشمل:
(1) النمط
العدائي (اللاأخلاقي):
وفي
هذا النمط يتصف الشخص بالعدائية وهي العدوان غير الصريح أو الظاهر، فتجده يسعى
لايذاء الآخرين من حوله ويحرص على الظهور بمظهر الانسان الوديع في البداية ثم يعبر
عن سوء خلقه عند تحقيق ما يريد.
ولهذا
النمط بعض الخصال المميزة له فتجد الشخص دائم الكذب، ولا يصدقك الحديث إلا قليلاً،
حريص على الغش، متحايل، متطاول على الآخرين.. وغيرها من الصفات اللاأخلاقية.
وينبع
هذا السلوك السيكوباتي عند هذا النمط من السيكوباتيين من عدم تقدير هذا الشخص
لنفسه، وشعوره بالدونية بين الناس، مما يشعره دوماً بالاحباطالذي يشعر به عند فشله
في إقامة علاقات متوازنة قائمة على الاحترام والتقدير، فتجده حاقداً حاسداً كذاباً
فتاناً متصنتاً بين الناس متلصصاً عليهم.
(2) النمط
العدواني (الضد مجتمعي الصريح):
يعد
هذا النمط من أخطر أنماط الشخصية السيكوباتية، حيث يمثل المعاناة الأكبر للأسرة
والمجتمع، لما يصدر عنه من سلوك فعلي صريح إزاء المواقف المختلفة، ويطلق على هذا
النمط سلوك العنف والتعدي، فهو يتسم بالقسوة في التعامل والغلظة في الأسلوب وعدم
الندم على ما يفعل وتبرير الأخطاء لصالحة دوماً.
والعنف
السيكوباتي في هذه الحالة لا ينحصر في تعديه على المجتمع بالكلام أو التهور في
المعاملة، بل يتعداه إلى درجات متفاوته من العنف الفعلي، بحيث يشمل الأفال والنساء
وربما من أفراد أسرته.
وهنا
نجد أن معظم حالات العنف قد تأتي بدون تدبير مسبق منه، ذلك لأنها تأتي تحقيقاً
لرغبة ملحة فيه، وهي رغبة العدوان.
لذلك
تجد أن جميع ردود أفعاله العنيفة صادرة ضد المجتمع سواء كأفعال أو ردود أفعال،
ويكون عنف مادي في الغالب.
(3)
النمط المتكيف (الابداعي):
هذا
النمط من السيكوباتيين يكون قادراً على التكيف مع المواقف المختلفة والأشخاص
المختلفة، فتجده ذكي لدرجة الابداع في تحقيق مصلحته ومنفعته دون أدنى مسئولية تجاه
الغير، فيسعى لكسب الآخرين وتحقيق منافع منهم دون أن يقع في مشاكل معهم.
وقد
أضفى بعض العوام من الناس صفات صحيحة على هذا النمط مثل أنه ماكر، لئيم، حريص،
ذكي، غير عنيف، ولكنه يبدو للجميع عدم صدق نواياه في إدعاء الخير.
ورغم
أن السيكوباتي لا يعاني أي خبل أو هلوسة أو هذاء، إلا أن اضطرابه لا يقل خطورة عن
غيره من أنواع الاضطراب الأخرى، لأنه اضطراب يمس أعماق الشخصية وتتولد عنه جرائم
تهتز لها أركان المجتمع.
ومن
ذالك يتضح أن السيكوباتيين يشبهون الجانحين في ارتكابهم لبعض الأفعال المعادية
للمجتمع و التي يعاقب عليها القانون، ولكنهم يختلفون عنهم
في نواحي كثيرة، فالجانح عادة ما يكون جناحه نتاج ظروف
تنشئة سيئة، ويعتبر جناحه غرض لهذه الظروف السيئة، فإذا تغيرت هذه الظروف تحسنت
اتجاهاته نحو نفسه ونحو المجتمع.
كما
أن الجانحون يستجيبون للعلاج الاجتماعي والنفسي والتربوي، أما السيكوباتي فهو غير
معروف الأسباب التي أدت إلى سلوكه المضاد للمجتمع فيسلك أفعالاً لا اجتماعية في سن
مبكرة، وتستمر
معه مدى الحياة لأنه لا يستجيب لأي نوع من العلاج أو حتى العقاب.
أسباب
تكوين ونمو الشخصية السيكوباتية:
بشكل
عام السلوك الانساني = الاستعداد الوراثي + الاعداد البيئي + الدافعية النفسية،
وعليه فأي من الصفات المرضية تكون راجعة إلى مكون ما من هذه الثلاثة.
ولذلك
لا يمكن أن يكون السبب في تكوين هذه الشخصية واحداً في جميع الحالات، ولكن هناك
فروق بين الأفراد السيكوباتيين حتى في طريق استجاباتهم وفي مظهر الشخصية
السيكوباتية ذاتها.
وبشكل
عام فإن السيكوباتي فرد ولد وعنده نقص بطريقة ما، أو أنه يعرض
للنمو الناقص لأسباب وراثية، حيث يظهر ذلك على الأطفال الذين تبدو عليهم مظاهر
الانحراف وعدم التوافق، أي أن احتمال نشأة الاضطراب السيكوباتي يرجع إلى عوامل
استعدادية وراثية.
كما
تلعب فترة الطفولة وما تحتويه من تراكيب للعادات الأساسية وما يؤثر في الطفل من
مؤثرات اجتماعية قد تساعد بطريقة واضحة في بناء الشخصية السيكوباتية ونموها.
وعلى
أية حال فليس بعيد أن يكون الانحراف السيكوباتي واحداً من هذه المركبات السلوكية
الوراثية أو المكتسبة المتعلمة، لأن الإنسان يستطيع أن يتعلم في طفولته كيف يكون
سلوكه مناهضاً للمجتمع أنانياً لا يعبأ بمشاعر الآخرين، كما قد يتعلم كيف يكون سلوكه اجتماعياً يهتم فيه
اهتماماً عادياً بعواطف الآخرين ومشاعرهم.
خصائص
الشخصية السيكوباتية:
هناك
بعض الملامح والخصائص الأساسية للشخصية السيكوباتية، نجملها في الآتي:-
1-
فقدان الضمير أو عدم كفايته:
يوجد
مظهران متصلان بمفهوم الضمير المختل، الأول هو عدم
قدرة السيكوباتي على تطبيق الأحكام الخلقية السائدة في مجتمعه على سلوكه، والمظهر
الثاني هو عدم الشعور بالذنب، نظراً لأن الشعور بالذنب عنصر هام في تكوين الضمير،
إذ يشعر الشخص السوي بالتعاسة وتأنيب النفس، أما السيكوباتي فيستمر في انحرافه دون
أي شعور بالذنب وإن كان في بعض الأحيان يحاول – لفظياً فقط – الاعتذار عن تصرفاته
وإظهار الندم الخادع عليها.
2-
عدم النضج الانفعالي والتركيز حول الذات:
ينمو
السيكوباتي جسمياً وعقلياً، غير أنه قد لا ينمو انفعالياً ويظل تركيزه في ذاته
كالطفل إذ لا يهمه سوى نفسه وإشباع رغباته وحاجاته إشباعاً مباشراً، ولذا يشعر
بالإحباط الشديد إذا ما وقف عائق دون تحقيق هذه الأهداف للحصول على ما يريد دون
ضمير أو شعور بالخوف أو الذنب.
والسيكوباتي
يفقد القدرة عن السيطرة على نفسه إذ أن الفرد السوي يتمكن من ضبط نفسه والسيطرة
عليها، إضافة إلى عدم تعلمه من خبراته السابقة ولا يُجدى
معه الثواب والعقاب.
3 –
عدم وجود خطة طويلة الأجل للمستقبل:
يعيش
السيكوباتي عادة في حاضره وشعاره الدائم هو هنا والآن، فهو عاجز عن التطلع إلى
المستقبل أو التخطيط له ما دام يعيش في حاضره، فالحياة بالنسبة
له عبارة عن سلسلة من الأفعال الاندفاعية لا تخدم خطة المستقبل أو التوصل إلى
أهداف مرغوبة فيها استقرار انفعالي واجتماعي، مشاكساً لزملائه ورؤسائه ومن يتعامل
معهم والتجائه
الدائم إلى الكذب والغش والتحايل وعدم تقدير المسئولية يحول
بينه وبين الاستقرار في العمل.
4-
العجز عن الحب والارتباط العاطفي:
ويظهر
ذلك في عجز السيكوباتي عن إقامة روابط عاطفية أو علاقات متبادلة مع الآخرين، وذلك
لعجزه عن الإحساس بمشاعرهم، ومن أهم ما يظهره تجاهه الغير،
وعدم الإحساس بانفعالاتهم ومشاكلهم، فهو عاجز عن حب الآخرين والاستقرار حتى في
العلاقات الجنسية.
وللمزيد يمكنك الاطلاع على كتاب: السلوك الاجرامي.. رؤية نفسية



3 comments:
شكرا د. أحمد على مجهوداتك العظيمة لتوضح لنا الشخصية السيكوباتية و التى تساعدنا فى أكتشاف من حولنا حتى نحاول تجنبهم و نكون حذرين منهم جزاك الله خيرا بما تقدمه دوما لمساعدة من حولك.
.......هالة أمين.......
موضوع فيه كثير من الحقائق المفيدة التى تجعلنا كيف نتعامل مع هؤلاء السكوباتيين بارك الله فيك يا دكتور وجعله الله فى ميزان حسناتك .
موضوع اكتر من روعة هي دي فعلا شخصية زوجي بالضبط وللاسف لايوجد طريقة ممنهجة استطيع اتعامل معاه بيها
إرسال تعليق