مُعاناة مُعالج نفساني..!
سألني أحد أصدقائي عن طبيعة تعاملي يومياً مع هذا الكم من المشكلات النفسية والحياتية، وكيفية فصل ذلك عن حياتي الخاصة مُحفاظاً على القدر المطلوب من التوازن النفسي، قائلاً: ما هو إحساسك عندما تغادر العيادة النفسية عائداً إلى بيتك مُحملاً بكل هذه الطاقات السلبية؟ ولعله كان يقصد ما أسمعه من مشاكل نفسية وحياتية بشكل مستمر، فأجبته حينها بأن "كل منا مُيسر لما خُلق له" ولعلي كنت مراوغاً له باجابتي هذه عن الدخول في تفاصيل أكثر عن طبيعة عملي، وحقيقة ما أخرج به من طاقات نفسية -سلبية كانت أو إيجابية- وما لها من تأثير ربما ينعكس على أسلوب حياتي الشخصية.
وبعد إنتهاء الموقف رأيت أنه ليس من الأمانة أن يكون الرد على ذلك السؤال الشائك بهذه السطحية المفرطة، فأردت أن أجيب عليه أمام كل من سأله في نفسه ولم يبديه لي.. لتنبع إجابتي هذه من باب "فأما بنعمة ربك فحدث".. ولا داعي للعجب، صحيح أن السؤال كان مُنصباً حول المعاناة في حل مشاكل الآخرين وإدارة حياتهم بشكل أفضل حتى حين، ولكن الاجابة ستكون منصبة حول هذه النعمة المهداة في طيات تلك المعاناة!
في البدايةً ما من شكٍ أن الكثير ممن يهتمون بطبيعة عمل المُعالج النفسي قد قرأوا أو سمعوا عما يلاقيه من معاناة إنسانية جراء تصديه لحل هذه المشكلات الحياتية التي يعرضها عليه مرضاه، بل وتأثره شخصياً بهذه المعاناه، ولعل غالبية هذه الآراء عن الطبيعة المهنية للمُعالج النفساني تنصب في ذلك القالب الساخر المستوحى من الأعمال السينيمائية الساذجة، إلا أن وجهة النظر هذه قد تتغير تماماُ عند مقالبتك لأحد المُعالجين النفسيين (المحترفين) -ليس المتمرسين أو غير المتخصصين في العلاج النفسي أو.. ممن يؤثروا سلباً على طالب العون منهم، سواء كانت هذه المقابلة عارضة في مناسبة إجتماعية، أو مقابلة مهنية داخل العيادة النفسية.
ففي المقابلة العارضة يُدرك المرء أنه أمام شخص ربما يستطيع قراءة أفكاره أو تقييم مشاعره أو تحليل سلوكياته، وهنا لا يكون أمام ذلك المرتاب إلا خيار واحد من إثنين، إما تحاشي التواجد مع هذا النفساني كي لايسمح له باكتشافه أو الغوص في أعماقه فيتجنب الحديث معه أو المشاركه في آراء تُعرض في وجوده، وإما أن ينكب عليه بسيل من الأسئلة والاستفسارات عن كل شيء وأي شيء يخص المشاكل الزوجية وتربية الأولاد وضغوط العمل ومتاعب الأصدقاء.. وغيرها من الأمور التي يشعر أن عليه الاستفادة من هذا الموقف بحضور ذلك المتخصص في حلها.
وأما عن المقابلة المهنية داخل العيادة النفسية، فإن أهم ما يتسبب في خلق خبرات سلبية عن العلاج النفسي لدى راغبيه والباحثين عنه هو التردد عيادياً على غير المعالجين النفسيين، وأقصد بالمعالج النفسي Psychotherapist من تخصص في دراسة علم النفس الاكلينيكي (العيادي) Clinical psychology وحصل على درجة علمية فيه بعد دراسته الجامعية، بداية بالدبلوم العلاجي ثم الماجستير ثم الدكتوراه لتكون كلها في العلاج النفسي Psychotherapy بمختلف مدارسه العلاجية.. فمع عظيم تقديري للمتخصصين نفسياً من -بعض- الأطباء النفسيين، فرغم أنهم دارسين للطبيعة البيولوجية والفسيولوجية للمرضى وكيفية إفادتهم دوائياً من خلال العلاج بالعقاقير، إلا أن -أغلبهم- غير دارسين بشكل كافي للعلاج النفسي، وبالتالي فيمارسه -بعضهم- على سبيل الاجتهاد أو التمرس؛ وفي إعتقادي أن ذلك غير لائق إنسانياً في التعامل مع مشاكل نفسية كارثية -أحياناً- ولا يمكن السيطرة عليها أو منع تفاقمها عن طريق العلاج الدوائي فقط مع بعض الاجتهاد في العلاج النفسي.
فالعلاج النفسي أكبر من كونه إجتهاداً أو تمرساً أو تطبيقاً لبرامج علاجية مُعدة مسبقاً.. فلكل حالة طبيعة مرضية وظروف علاجية خاصة تحتم على المُعالج تصميم برنامجاً علاجياً خاصاً بها مناسباً لهذه الطبيعة ومواتياً لتلك الظروف، كما أن المُعالج النفسي ليس دارساً للأسس والفنيات العلاجية وحسب.. بل أنه من المفترض أن تم تدريبه وبشكل علمي على كيفية إحتواء الآخرين وإستيعاب مشاكلهم مع تحقيقه لقدر محدد من الثبات الانفعالي، علاوة على ضرورة تميزه ببعض الصفات الشخصية الواجب توافرها فيه لنجاحه كمعالج نفساني.
وبالعودة إلى التساؤل الأول عن طبيعة الطاقات التي أتشبع بها كمعالج نفساني إثر خروجي من عيادتي عائداً إلى بيتي، فكما ذكرت أجيب عنه من باب "فأما بنعمة ربك فحدث".. فهذه الطاقات هي حقاً نعمة مهداة، وطاقات ايجابية مسداة، أتشبع بها من هؤلاء الأنقياء أصحاب تلك المعاناة..
فطبيعة عملي مُعالجاً نفسياً هي أرقى بكثير من أي عمل آخر أصابته آفة التعود، ففيه أتعامل مع سمو ورفعة النفس البشرية وشموخها رغم اضطرابها، فالهدف من هذا العمل -بالنسبة لي على الأقل- هو استشعار القيمة المعنوية العالية في علاج الخلل، محافظاً على مادة العمل الخام وهي النفس البشرية.. تلك التحفة المتقنة بمنتهى التعقيد، والتي فيها ومنها تكون حرفتي الراقية التي أشارك فيها -من وجهة نظري- الأنبياء والرسل والمصلحين في نفس العمل وذات الحرفة من خلال تصحيح ما في النفس من فكرٍ وشعورٍ، سعياً لتحصيل سلوكٍ إيجابي بناء، لتحيى حياةً طيبةً في الدنيا والآخرة.
ففي هذا العمل الراقي أستكشف النفس أولاً سائحاً في طبيعتها الساحرة الخطرة المعقدة المتشابكة، ثم أستعمل فنّي الخاص -الذي أعشقه حقاً- لأؤثر فيها وأُصقل بنائها، مروّضاً هياج مشاعرها بطمأنينة وسمو المشاعر، مهذباً أفكارها بقوة وإيجابية الفكر، معالجاً بالنتيجة أسباب شقائها وسقمها في سلوك يعكس طمأنينة الحس وترتيب الفكر.
ورغم ذلك فإني أنأى بنفسي عن أن أكون مجرد داعم لمشاعر طيبة.. أو بيّاعٍ لأفكار إيجابية.. أو مُروج لخطط تنموية.. أو واعظٌ مُختلط النية.. فأنا أسعى لعلاج أشد الأمراض ألماً وأصعبها أثراً على الإنسان طيلة حياته؛ ففي إعتقادي ألا يوجد ألم قد يدفع الإنسان إلى تفضيل الموت على الحياة مثل الألم النفسي.
وحتى أكون أكثر موضوعية، أجيب -وبشكل مباشر- عن ما قد يظنه البعض طاقات نفسية أتشبع بها إثر سماعي لمعاناة بعض الأحباب من زواري في العيادة النفسية، من خلال ما تحدثني به نفسي أحياناً كنفس بشرية بها ما بباقي مثيلاتها من جوانب خلل وبؤر علل.
فكلما حدثتني نفسي عن ما أتعرض له من مشاكل أسمعها من مرضاي، وهموم وكروب في حياتهم ألحظها، وضغوط ومواقف معهم أعيشها.. ذكرتها أن "من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً مِنْ كرب الدُّنيا، نفَّس اللَّه عنه كربةً مِنْ كرب يوم القيامة".. واستشعرت روعة أن أكون في عون محتاج لعون "كان اللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
كلما حدثتني نفسي أنك لست إلا مُعلماً لبعض محامد الخصال والفعال تعرضها للناس ليعلمها بعضهم ويفعلها بعض منهم.. ذكرتها أن "الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلّون على معلم الناس الخير"، وأن " أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس".
كلما حدثتني نفسي عن مصادرة سعادتي -أحياناً- سعياً لاسعاد آخرين.. ذكرتها بفضل إدخال السعادة على قلوب الآخرين، وأن "أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم".. وأن "من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله ثواباً دون الجنة".
كلما حدثتني نفسي عن إنشغالي بأحوال زائري العيادة وتفاصيل حياتهم عن أمور العبادة ومسالك الطاعة.. ذكرتها أن تأليف القلوب والإصلاح بين الأزواج، أو بين الأولاد وأبويهم هي أفضل درجة وأرقى رفعة من صلاة نافلة أو صيام تطوع.
كلما حدثتني نفسي عن أن أهل بيتي أولى بوقتي وجهدي وإهتمامي خارج جدران عملي بأحبابي من أصحاب العلل النفسية.. ذكرتها أن تخليص نفسٍ واحدة من براثق القلق وشراك الهمّ والكآبة كإحياء أهل بيتي جمعياً في نجاة ذلك.
كلما حدثتني نفسي أن إنشغالك باصلاح نفوس زوارك في العيادة سيؤخرك عم إصلاح سائر أحوالك خارجها.. ذكرتها أن هداية نفسٍ واحدةٍ لسبيل السلامة النفسية خيرٌ لي من أعظم وأنفس ما يملكه بشر من الأملاك والنعم
كلما حدثتني نفسي عن توتر أو ضيق حل بي من كثرة إستقبال متاعبهم ومشاكلهم تليفونياً في بيتي -مثلاً- حين أجازتي.. ذكرتها أن إنقاذ صاحب نفس عليلة من دوامة همٍّ وكرب ببضع كلماتٍ أهمسها في أذنه قد أكون نسيت متى وكيف قلتها أخذ بها فحل عنه ضيقه وزال عنه توتره، أو ربما تغيرت نظرته لحياته.
وهكذا.. كلما حدثتني نفسي بكم وكم مما سبق.. ذكرتها أكثر بكثير مما ذكرت.. وأهمها ما أستشعره دوماً في لقائي مع كل من قابلت من أصدقائي وأحبابي زواري في العيادة من صدق وعمق في مقولة بسيطة دوماً ما أتمنى أن يتقبلها منهم ربي "جزاك الله عني خيراً" حين أستشعرها أشعر وكأني حُوزت لي الدنيا بأجمعها.
أرأيتم كيف كان حديثي عن ما ظن البعض أنه معاناة للمعالج النفسي جاء من باب "فأما بنعمة ربك فحدث" فما حدثتكم إلا عن نعم ربي علي، فهنيئاً لنفسي بما الاقي في عيادتي.. وشكراً لمن دفعني بسؤاله الأول عن معاناتي كي أعرض لذة وجوهر ورُقي ورفعة هذه المعاناة.
كتبه الفقير إلي عفو ربه
أحمد هارون الشريف


1 comments:
جزاك الله كل الخير يادكتور فقد فزت برضى الله ومحبة الناس و عند ماأجبت لصديقك على سؤاله فقد لقنتنا درساً أيضاً فقد علمتنا كيف نبحث فى متاعبنا على السعادة والرضى والمتعة و هو أمر يبدوا صعباً وسط ضغوط الحياة ليتنا نقوى على ذلك و نتمنى لك دوام التوفيق و النجاح .
..... هالة أمين ....
إرسال تعليق