الصّـيـَــام.. رؤيــة نفسيــة
قرأنا العديد من المقالات فى الصحف والمجلات عن فؤائد الصيام، سواء من النواحى البيولوجية والفسيولوجية وغيرها، ولكن لم تلق هذه المقالات الضوء على الفوائد النفسية للصوم.
ولقد دفعني لعرض هذه المقالة ما قرأته في الأثر عن أن رجلاً من أهل السلف كان دائم الصوم طيلة العام، فسأله الناس: أنت رجل مُسن ضعيف الجسد فما عليك بإضعاف جسدك أكثر بالصوم؟
فأجابهم: لقد سألت ستة من الأكارم عن مكارمهم فنصحونى بالجوع..
سألت أهل الطب عن الصحة والوقاية من المرض، فنصحوني بالجوع "فما ملأ ابن آدم وعاء قط شر من بطنه".
وسألت أهل العلم عن السعي في طلبه، فنصحوني بالجوع الذي يعين الذهن على إستقبال روافد العلم بشغف وفهم..
وسألت أهل الحكمة عن سبب حكمتهم، فأجابوني أن الجوع يُطهر القلب وينزع من النفس الاندفاع والتهور..
وسألت أهل الزهد عن ما يعينهم على زهدهم، فأجابوني الجوع..
وسألت أهل الطاعة عن مايعينهم على طاعاتهم، فأجابوني الجوع..
وسألت أهل الخشوع عن مايعينهم على خشوعهم، فأجابوني بالجوع..
فللصوم فوائد نفسية كثيرة إذا ما إلتزم به الإنسان فرضاً وتطوعاً، فها نحن نحاول ذكر بعضها فيما يلي:
(1) ضبط النفس:
إن ما يثير قلق النفس واضطرابها كثرة الشهوات وإيقاظها، والشهوات هي وسيلة الشيطان إلي النفس وانما تقوي الشهوات بكثرة الأكل.
إذن فالصيام ضبط صحي لثورة الشهوات ووساوس الشيطان والنتيجة الطبيعية لذلك هي انخفاض حدة الصراع الداخلي بين الشهوات الثائرة والضمير، مما يؤدي إلي هدوء النفس واطمئنانها.
(2) استراحة النفس:
تضطرب النفس البشرية في حياتها العادية بكم هائل من المشاعر مثل الخوف والطمع والحرص والحقد والرغبة في العلو والعدوانية والسخط والكراهية.. الخ.
وتستمر هذه المشاعر في التفاعل داخل النفس باضطراد مستمر يهدد بتفجيرها، لذلك جعل الله العبادات فترات راحة وتهدئة لهذه المشاعر، فجعلت الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة والصوم كل عام والحج مرة واحدة في العمر.
ولكن الصوم له ميزة فريدة في هذه الناحية حيث أنه يستمر شهرا كاملا وهذا يعطي راحة أطول وتأثيرا أعمق في النفس البشرية خاصة وان الامتناع عن الأكل والشرب طوال ساعات النهار يقلل كثيرا من طاقة الشهوات، تلك الطاقة التي تهيج كل المشاعر السابق ذكرها.
واستمرار الصوم شهرا كاملا يجعل الصفات المكتسبة فيه (كالهدوء والسكينة والرحمة) تصبح عادة من عادات الإنسان.
(3) بهجة النفس:
تحقق هذه البهجة من خلال عدة أشياء منها على سبيل المثال رؤية الهلال مع ما يصاحب هذه الرؤيا من فرحة استقبال رمضان واحياء أيامه ولياليه، ومنها الارتياح بتغير روتين الحياة اليومي الذي أعتاده الناس طوال العام حيث تتغير مواعيد العمل ومواعيد الطعام والنوم وتتغير الكثير من العادات، ومنها تجمع أفراد الأسرة على مائدة واحدة وذلك ما افتقدناه طيلة شهور السنة لاختلاف مواعيد حضور افراد الأسرة الواحدة للمنزل.
ولاننسى فرحة الصائم لحظة إفطاره تلك الفرحة التي تذكره بفرحة أخرى عند لقاء ربه، وقد عبر عن ذلك رسول الله الكريم (ص) بقوله (للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه). فالصائم يستبشر بجزاء صومه خاصة وان الله لم يصرح بمقدار ثوابه، وجعله مفاجأة سارة للمؤمن يوم القيامة حيث قال على لسان رسوله (ص) (كل عمل ابن آدم له ألا الصوم فانه لي وأنا اجزي به) متفق عليه.
ويُنقى جو الكون من شوائب الشر لتعم البهجة كل الكائنات حيث تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين.
(4) التوازن بين الروح والجسد:
مع الامتناع عن الطعام والشراب والجنس تخفت طاقات الجسد الشهوانية وتجد الروح نفسها خفيفة وقادرة على التحلق والاتصال بالعالم العلوي ومع تكرار هذا التسامي لمدة شهر كامل تكتسب الروح قوة تسيطر على شهوات الجسد ويصل الإنسان إلي وضع صحيح من التوازن بين طاقات الروح ومتطلبات الجسد.
(5) تقوية الإرادة:
إذا كان الإنسان يصبر على البعد عن تلبية تناول الحلال في رمضان كالأكل والشرب والجماع في أوقات التحريم فانه يصبح أكثر قدرة على البعد عن المحرمات وضبط النفس أمام المغريات في غير رمضان.
إذا كان الإنسان يصبر على البعد عن تلبية تناول الحلال في رمضان كالأكل والشرب والجماع في أوقات التحريم فانه يصبح أكثر قدرة على البعد عن المحرمات وضبط النفس أمام المغريات في غير رمضان.
(6) صحوة روح الجماعة:
هناك بعض الطقوس المميزة لشهر رمضان وهي تجمع كل أفراد الأسرة في وقت واحد على طعام الإفطار ثم على طعام السحور وانتظام معظم الناس في الصلاة في المسجد في جماعة، واعتياد الكثير من الأسر على تبادل الزيارات ودعوة بعضهم البعض على طعام الإفطار، كل هذا ما يشيع بين الناس في هذا الشهر من روح التكافل الاجتماعي والرحمة والتواصل كل هذا يؤدي إلي نوع من الراحة والطمأنينة والإحساس بالأمن للفرد والمجتمع.
(7) صحوة الأمل:
رغم صعوبة الظروف لقد شاء الله أن يحرز المسلمون انتصارات تاريخية في رمضان (غزوة بدر قديماً وحرب رمضان حديثاً) وتتميز هذه الانتصارات عن غيرها بأنها حدثت وسط ظروف شديدة الصعوبة كانت توحي بأن الأمل مفقود في النصر، وهذا إيحاء عظيم من إيحاءات رمضان يحيي في النفس الأمل رغم صعوبات الواقع القاتم.


3 comments:
الكتور احمد هارون
اطيب تحياتى بالمقالة الرائعة فعلاً كلام يدخل القلب والعقل منطقى ومنظم، على فكرة انا متابعة كل الحوارت الصحفية مع حضرتك فى مجلة الاذاعة والتليفزيون وكلها بتعجبنى جدا.
بارك الله فيك ونفعنا بك.. أميمه ناصر
بجد كل موضوعات الموقع جميلة جدا ربنا يباركلك يا دكتور انت حد جميل فعلا..
تحياتى
ن.ع.ل
أن صيام رمضان عباده عظيمه وركن من اركان ألأسلام وفوائده كثيره ونشكرك كثيرا على ما أضفته لنا من فوائئد لم نكن على علم بها وياليت الصيام يترك فوائده النفسيه فى نفوس الناس جميعا ويحد من شرهم ويقوى أيمانهم ولا يكونوا صطحيين وكل ما يفعلونه هو الصوم عن الطعام فقط وياليت الجميع يكون على يقين بهذه الفوائد .
و جزاك الله خيرا
هالة أمين
إرسال تعليق